قضايا هيئه الرقابه الاداريه فى مصر

بين النشاه والتطور فى عهد الرئيس السيسى

يظل رسوخ الارتباط بين الفساد والاستبداد، تعمل الأنظمة الاستبدادية على تأسيس شبكات مصالح تكفل لكبار المسؤولين حرية الوصول إلى موارد الدولة والانخراط في صفقات مربحة، بينما ينغمس صغار الموظفين في تلقي الرشاوى لتسيير شؤون المواطنين. وفي ظل تلك الأجواء حسب الباحثة جيسكا نول عادة ما تُؤسس أجهزة لمكافحة الفساد يتمحور دورها في إبقاء أنشطة عناصر النظام تحت المتابعة، وحماية الموالين، ومعاقبة من يتجاوزون القواعد فضلا عن إعطاء انطباع للمواطنين بأن النظام يحارب الفساد.

وفي ذلك الإطار أسس جمال عبدالناصر في عام 1958 هيئة الرقابة الإدارية كقسم تابع للنيابة الإدارية ثم حولها في عام 1964 إلى جهاز قائم بذاته وفقا للقانون رقم 54 الذي عرف الرقابة الإدارية بأنها هيئة مستقلة تتبع رئيس المجلس التنفيذي- أي رئيس الوزراء آنذاك. ووُصف دورها بأنه يختص بالتالي:

  • بحث وتحري أسباب القصور في العمل والإنتاج بما في ذلك الكشف عن عيوب النظم الإدارية والفنية والمالية التي تعرقل السير المنتظم للعمل واقتراح وسائل تلافيها.
  • متابعة تنفيذ القوانين والتأكد من أن القرارات واللوائح والأنظمة السارية وافية لتحقيق الغرض منها.
  • الكشف عن المخالفات الإدارية والمالية والجرائم الجنائية التي تقع من العاملين أثناء مباشرتهم لواجبات وظائفهم أو بسببها.
  • بحث الشكاوى التي يقدمها المواطنون عن مخالفة القوانين أو الإهمال في أداء واجبات الوظيفة، ومقترحاتهم فيما يعني لهم أو يلمسونه بقصد تحسين الخدمات وانتظام سير العمل وسرعة إنجازه، وبحث ودراسة ما تنشره الصحافة من شكاوى أو تحقيقات صحفية تتناول نواحي الإهمال أو سوء الإدارة…إلخ.

وقد اقتصر نشاط الهيئة على الأجهزة الحكومية وفروعها والهيئات والمؤسسات العامة والشركات التابعة لها وأجهزة القطاع الخاص التي تباشر أعمالا عامة، جميع الجهات التي تسهم الدولة فيها بأي وجه من الوجوه، دون أن تتدخل الهيئة في أنشطة القوات المسلحة.

 جرى تعيين ضابط المخابرات اللواء كمال الغر كأول رئيس لهيئة الرقابة الإدارية (1964- 1978). وظل قادة الهيئة منذ ذلك الحين يعينون من الجيش أو المخابرات العامة. ولم تحظ الرقابة الإدارية بنفوذ واسع في عهد عبدالناصر مقارنة بالأجهزة السيادية الأخرى مثل المخابرات العامة والحربية أو المباحث العامة.

الرقابة الإدارية في عهد السادات

واكب تحول السادات بمصر من النظام الاشتراكي إلى ما سمي بالانفتاح، انتشارًا واسع النطاق للفساد في المؤسسات الحكومية، مما دفع السادات لتحجيم نشاط الرقابة الإدارية بعد أن شرعت في التحقيق في قضايا فساد وكسب غير مشروع ترتبط برجل الأعمال المقرب من السادات رشاد عثمان، مما دفع السادات إلى نقل رئيس الهيئة كمال الغر من منصبه في عام 1978 إلى المجالس القومية المتخصصة، ثم أصدر السادات قرارا بحل الرقابة الإدارية في عام 1980.

الرقابة الإدارية في عهد مبارك

مع تولي حسني مبارك للحكم عقب مقتل السادات عام 1981، أصدر قرارا عام 1982 بإعادة تفعيل هيئة الرقابة الإدارية. وعيَّن اللواء محمود عبد الله رئيسا لها، ونقل مقرها من الدقي إلى مدينة نصر. وبدأت الرقابة الإدارية نشاطها بفتح ملف رشاد عثمان، وشقيق الرئيس الراحل عصمت السادات وأبنائه، وانتهت القضية بحبس رشاد وعصمت. ولكن ظلت الرقابة الإدارية ذات حضور هامشي مقارنة بالأجهزة السيادية الأخرى.

حسب الباحثة جيسكا نول في دراستها عن الرقابة الإدارية الصادرة عن مركز بوميد، فقد استخدم مبارك الهيئة من أجل تعزيز شرعيته وبناء شبكات القوة الخاصة به عن طريق إعادة توزيع المكاسب والأرباح على حلفائه. فعلى سبيل المثال، بعد إدانة عصمت السادات تم منعه من الحصول على عقد مربح لاستيراد أسلحة أمريكية، وذهب العقد إلى ضابط المخابرات السابق المقرب من مبارك حسين سالم، والذي أصبح ذائع الصيت لاحقًا بسبب دوره في صفقات بيع الغاز المصري إلى إسرائيل.

استمرت في عهد مبارك هيمنة لواءات الجيش والاستخبارات على الرقابة الإدارية، حيث تولى رئاستها على التوالي اللواءات أحمد عبدالرحمن ثم هتلر طنطاوي (1996-2004)  انتهاءً باللواء محمد فريد التهامي الذي تولى رئاسة الجهاز منذ عام 2004 حتى عام 2012.

ومع اندلاع ثورة يناير سارع المجلس العسكري إلى إصدار قوانين تمنح الضباط العسكريين سواء كانوا بالخدمة أو متقاعدين حصانة من المقاضاة أمام المحاكم المدنية بتهمة الكسب غير المشروع، مما جعل القضاء العسكري هو السلطة الوحيدة المسؤولة عن التحقيق في حالات الثراء غير المشروع للضباط.

الرقابة الإدارية في عهد مرسي

مع تولي د. محمد مرسي للحكم عام 2012، قدم الضابط بهيئة الرقابة الإدارية المقدم معتصم فتحي بلاغا مدعما بالأدلة يتهم فيه رئيس الهيئة اللواء محمد التهامي بالتستر على قضايا فساد ضخمة، فأصدر الرئيس محمد مرسي قرارا بعزل التهامي من منصبه، وتعيين اللواء محمد عمر هيبة (2012-2015) بدلا منه. كما ساهم منح مرسي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة الضبطية القضائية في تقويض نفوذ الرقابة الإدارية.

الرقابة الإدارية في عهد الرئيس السيسي

عقب الانقلاب العسكري عين السيسي اللواء محمد عرفان (2015- 2018) رئيسا للرقابة الإدارية، وفي ديسمبر 2014 أطلق السيسي الاستراتيجية القومية لمكافحة الفساد للفترة (2014-2018) ثم أطلق النسخة الثانية من تلك الاستراتيجية في ديسمبر 2018 لتمتد حتى عام 2022. وفي عام 2017 أجرى السيسي تعديلات على قانون الرقابة الإدارية تضمنت تغيرات جوهرية في بنية ومهام الهيئة، ومن أبرزها:

– تبعية هيئة الرقابة الإدارية بشكل مباشر للسيسي بدلا من رئيس الوزراء. واشتراط حدوث الترقية إلى الوظائف العليا بالهيئة بقرار من رئيس الجمهورية.

– معاملة رئيس الرقابة الإدارية معاملة الوزير، ومعاملة نائب رئيس الهيئة المعاملة المقررة لنواب الوزراء.

– ترفع الهيئة تقاريرها بنتيجة تحرياتها وأبحاثها ومقترحاتها لرئيس الوزراء / الوزراء والمحافظين وكذلك جهات التحقيق المختصة لاتخاذ ما يرونه بشأنها.

– تخويل الهيئة بالتحري عن الجرائم المتعلقة بتنظيم عمليات النقد الأجنبي، والجرائم الخاصة بزرع الأعضاء البشرية، والاتجار في البشر.

– وضع ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية في الدولة.

وبذلك أصبحت الرقابة الإدارية عبارة عن هيئة رقابية مستقلة تتبع رئيس الجمهورية ولها الشخصية الاعتبارية وتتمتع بالاستقلال المالي والفني والإداري، وتمارس كافة أشكال الرقابـة الإدارية والمالية والفنية وضبط الجرائم الجنائية، ومنوط بها مكافحة الفساد الإداري في مصر. كما تعمل على التحري عن شاغلي وظائف الإدارة العليا والمرشحين لنيل الأوسمة والنياشين، والتحري عن العمليات المالية المشتبهة في غسل أموال بالتنسيق وتبادل المعلومات مع وحدة مكافحة غسل الأموال بالبنك المركزي.

كما نشأت بالهيئة في عهد السيسي (الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد)، والتي تُعتبر أحد قطاعات الهيئة، وبذلك يضاف إلى مكونات الهيئة التي تشمل جهاز منع الفساد وجهاز مكافحة الفساد، وتهدف تلك الأكاديمية إلى إعداد أعضاء الهيئة وتدريبهم، والارتقاء بمستوى أداء العاملين بها، فضلا عن دعم التعاون مع الهيئات والأجهزة المختصة بمكافحة الفساد في الدول الأخرى.

وفي مايو 2015 أنشأت الهيئة إدارة مُتخصصة لدعم الاستثمار من أهم اختصاصاتها بحث معوقات الاستثمار والمشاكل التي قد يوجهها المستثمرون وتحول دون تنفيذ مشروعاتهم بالفاعلية المطلوبة.

وفي يوليو 2019 وقعت هيئة الرقابة الإدارية بروتوكولًا للتعاون المشترك مع جهاز العمل النفسي التابع للقوات المسلحة لمساعدة الهيئة على إنشاء وحدة داخلية للعمل النفسي، إضافة إلى تدريب أعضاء الهيئة على قياس القدرات والمهارات القيادية للأشخاص، وتحديد مدى الميل للانحراف والفساد

وقد شهد أداء هيئة الرقابة الإدارية طفرة خلال السنوات الأخيرة، فحسب موقع الهيئة الإلكتروني، قامت خلال الفترة من أول سبتمبر عام 2018 إلى بداية ديسمبر 2019 بضبط عدد (720) قضية جنائية متنوعة تم إحالتها للنيابات المختلفة، و(143) قضية أخرى تم إحالتها للتحقيق من خلال المسئولين بالدولة، وضبط أغذية فاسدة بكمية (1400) طن، وتحقيق عوائد ووفورات مالية في حدود 10 مليار جنيه، فضلا عن فحص ملفات 10266 موظفا عموميا مرشحا لشغل وظائف قيادية بالدولة.

دور هيئة الرقابة الإدارية في قضايا الكسب غير المشروع

بموجب القانون رقم 54 لسنة 1964 وتعديلاته، تُخوّل الهيئة بالتحري والكشف عن الجرائم التي تمس نزاهة الوظيفة العامة، سواء ارتكبها موظفون عموميون أو غيرهم، بشرط الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة قبل اتخاذ الإجراءات، خاصة إذا كان المتهم ليس موظفًا عامًا.

2️⃣ التعاون مع الجهات القضائية

تتعاون الهيئة مع إدارة الكسب غير المشروع بوزارة العدل، حيث تتولى تنفيذ ما تكلفها به الإدارة بناءً على قرارات هيئات الفحص والتحقيق، وذلك وفقًا للمادة 7 من قانون الكسب غير المشروع رقم 62 لسنة 1975.

أمثلة على قضايا باشرتها الهيئة

🔹 قضية مدير إدارة العمليات بأحد البنوك

أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا غيابيًا بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات على المتهم، وتغريمه 18.77 مليون جنيه، مع إلزامه برد مبلغ مماثل. تم ضبط المتهم متلبسًا بتقاضي مليون جنيه من أصل 5 ملايين اتفق عليها.

🔹 قضية المشرف المالي بجمعية إسكان

حُكم على المتهم بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات، وتغريمه 1.4 مليون جنيه، مع عزله من الوظيفة لمدة سنتين، لثبوت استغلاله لمنصبه في تحقيق مكاسب غير مشروعة

للاطلاع على مفهوم قضايا الكسب غير المشروع يرجى الضغط هنا قضايا الكسب غير المشروع