على من يقع عبء الإثبات عند إنكار الخصم لتوقيعه الإلكتروني على محرر مُقدَّم ضده؟
تطبيقاً للقاعدة العامة في قانون الإثبات (المادة 29) التي تحكم إنكار التوقيعات العادية، يقع عبء إثبات صحة التوقيع الإلكتروني – عند إنكاره – على عاتق الطرف الذي يتمسك بالمحرر ويستند إليه في دعواه، لا على من أنكره. وهذه القاعدة تحديداً هي ما تحمي الأفراد من إلزامهم بمحررات لم يوقعوها فعلياً، وتضمن عدم إمكانية إلزام شخص بأثر قانوني لمحرر إلا بعد التحقق الفعلي من صحة نسبته إليه. والفارق الجوهري عن التوقيع اليدوي التقليدي هنا أن “تحقيق الخط والإمضاء” التقليدي (بمضاهاة الخط اليدوي) لا ينطبق تقنياً على التوقيع الإلكتروني، بل يستلزم الأمر خبرة فنية متخصصة من نوع مختلف تماماً كما سنوضح.
كيف حسمت محكمة النقض مسألة الشروط الواجب توافرها لإثبات صحة المراسلات والتوقيعات الإلكترونية المُنكَرة؟
أرست محكمة النقض مبدأً حاسماً في الطعن رقم 17051 لسنة 87 قضائية، مؤداه أنه لا يُعتد بالمراسلات الإلكترونية عند جحدها إلا بتوافر الشروط المنصوص عليها تحديداً في قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004 ولائحته التنفيذية – أي ذات الضوابط الفنية التي استعرضناها سابقاً (تحديد وقت ومصدر الإنشاء عبر نظام حفظ مستقل عن سيطرة الطرفين). والأهم في هذا الحكم أن محكمة النقض اعتبرت اكتفاء تقرير الخبير بمجرد “مناقشة موضوع الرسائل” كدليل على صحتها فساداً في الاستدلال، إذ إن مناقشة المضمون لا تُغني إطلاقاً عن ضرورة إثبات الشروط التقنية والفنية للمحرر الإلكتروني ذاته، وهو ما يعني عملياً أن الخبرة الفنية يجب أن تنصبّ تحديداً على السلامة التقنية للمحرر (هل تم التلاعب به أم لا، ومن أي مصدر صدر) لا على تحليل ما ورد فيه من محتوى.
ما هي العناصر الفنية التي يجب أن يتضمنها تقرير الخبرة حتى يُعتد به في إثبات صحة توقيع أو مراسلة إلكترونية مُنكَرة، ولماذا يُرفض كثير من هذه التقارير عملياً؟
يجب أن يوضح تقرير الخبير تحديداً الوسيلة التقنية التي اتبعها للتأكد من أن الرسائل أو التوقيع محل النزاع لم يتعرض للتعديل أو الحذف أو الإضافة، لا أن يكتفي باستنتاج عام غير مُسنَد فنياً. والسبب الأكثر شيوعاً لرفض تقارير الخبرة عملياً هو أن الخبير يكتفي بوصف محتوى المراسلات أو مضاهاتها ظاهرياً دون توضيح الآلية التقنية الدقيقة التي استخدمها لإثبات سلامة المصدر واستحالة التلاعب، وهو ما اعتبرته محكمة النقض استنتاجاً غير قائم على أساس فني سليم يستوجب نقض الحكم المبني عليه. لذلك فإن الصياغة الدقيقة لمأمورية الخبير عند طلب الندب – بتحديد النقاط الفنية الواجب فحصها بدقة (كتحديد مصدر الإرسال، تاريخ الإنشاء الفعلي، وسلامة سلسلة الحفظ) – تُعد حاسمة في نجاح الإثبات لاحقاً.
من هي الجهة الفنية المختصة بندب خبير لفحص التوقيع أو المراسلة الإلكترونية المُنكَرة، وكيف تتم عملياً؟
تلجأ المحكمة عادة لندب خبراء متخصصين من مكتب خبراء تكنولوجيا المعلومات بوزارة العدل، أو الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، لإجراء ما يُعرف بـ”التفريغ الفني الموثق” للجهاز أو الحساب أو المنصة محل النزاع (كالهاتف المحمول، حساب البريد الإلكتروني، أو سجلات منصة التوقيع الرقمي). ويشترط لقبول نتيجة هذا الفحص كدليل إثبات قاطع إمكانية تحديد هوية الراسل والمرسل إليه بشكل لا يقبل الشك، وسلامة النظام الإلكتروني المنسوب إليه المراسلة أو التوقيع، وتكامل المحتوى دون حذف أو تعديل. والملاحظة العملية المهمة هنا أن جودة صياغة طلب الندب من المحامي (بتحديد الأسئلة الفنية الدقيقة الواجب توجيهها للخبير) لا تقل أهمية عن جودة الخبرة ذاتها، لأن الطلب العام غير المحدد (“فحص المراسلات والتأكد من صحتها”) يُنتج غالباً تقريراً عاماً قابلاً للنقض لعدم كفايته الفنية.
هل يمكن دحض تقرير خبرة يثبت صحة توقيع إلكتروني منسوب لشخص، وما هي أقوى أوجه الطعن عليه؟
نعم، وأقوى أوجه الطعن على هذا النوع من التقارير تتمحور حول ثلاث نقاط رئيسية: أولاً، إثبات أن الخبير لم يوضح الوسيلة التقنية المحددة التي استخدمها للتحقق من عدم التلاعب (وهو ذات العيب الذي أبطلت به محكمة النقض تقريراً مشابهاً في الطعن السابق ذكره)؛ ثانياً، إثبات أن الجهاز أو الحساب محل الفحص لم يكن تحت السيطرة الحصرية للشخص المنسوب إليه التوقيع وقت إنشاء المحرر (كإثبات إمكانية وصول أشخاص آخرين لذات الحساب أو الجهاز)؛ ثالثاً، الطعن في استقلالية نظام الحفظ ذاته – إذ إن اشتراط القانون لنظام حفظ “مستقل وغير خاضع لسيطرة” أي من الطرفين يعني أن أي دليل على إمكانية تعديل السجلات من جانب الطرف المستفيد (كمنصة مراسلة داخلية يديرها الطرف المدعي نفسه دون رقابة خارجية) يُضعف حجية التقرير المُثبِت لصحة التوقيع بشكل جوهري
النموذج الأول – نجاح الإثبات عبر خبرة فنية دقيقة ومحددة الأسئلة
الصورة المثالية المتوقع نجاحها: محامٍ يطلب ندب خبير من وزارة العدل مع تحديد مأمورية دقيقة تشمل استخراج البيانات الوصفية (Metadata) للمحرر الإلكتروني، وتحديد عنوان IP ووقت الإرسال الدقيق، ومطابقة ذلك مع سجلات مزود الخدمة (كشركة الاتصالات أو مزود البريد الإلكتروني) كدليل مستقل مساند. في هذا النموذج، يكون التقرير أقوى بكثير من مجرد “مضاهاة” ظاهرية للمحتوى، وأقرب لاستيفاء المعيار الذي وضعته محكمة النقض.
النموذج الثاني – رفض المحكمة لتقرير خبرة غير كافٍ فنياً رغم تأييده لصحة التوقيع ظاهرياًنمط متكرر يعكس ذات المبدأ الذي أرسته محكمة النقض: تقرير خبرة ينتهي إلى “أن الرسائل صحيحة وصادرة عن الخصم” لكن دون توضيح الآلية التقنية التي بُني عليها هذا الاستنتاج، فيُطعن عليه بنجاح بدعوى القصور الفني، ويُعاد الأمر لخبرة جديدة أكثر دقة. الدرس العملي هنا أن نتيجة الخبرة وحدها لا تكفي – مهما بدت في صالح موكلك – إذا لم يوضح التقرير “كيف” توصل الخبير لهذه النتيجة بالتفصيل الفني الكافي.
النموذج الثالث – نزاع حول توقيع إلكتروني على منصة داخلية تديرها إحدى الشركتين المتنازعتين صورة دقيقة تكشف أهمية شرط “استقلالية نظام الحفظ”: شركة تحتفظ بمنصة داخلية خاصة بها لتسجيل موافقات العملاء إلكترونياً، ثم تستند لسجلات هذه المنصة كدليل ضد عميل يُنكر موافقته. هنا يكون الطعن الأقوى من جانب العميل المُنكِر هو التشكيك في استقلالية النظام ذاته، إذ إن كون المنصة تحت سيطرة الطرف المستفيد من الدليل (الشركة) يتعارض مباشرة مع الشرط الفني الجوهري في المادة 15 ولائحتها التنفيذية، وقد ينجح هذا الدفع في إسقاط حجية السجل بالكامل بصرف النظر عن مضمونه.