ما هو الأساس القانوني الذي يُلزم المستشفى أصلاً بالاحتفاظ بملف طبي كامل وموثق لكل مريض؟
أرسى القانون 13/2025 هذا الالتزام بنص صريح في المادة 5/6، إذ ألزم مقدم الخدمة بـ”تدوين كل إجراء طبي يتم اتخاذه متضمناً نوعه وتاريخه بالتفصيل في الملف الطبي لمتلقي الخدمة”، إضافة لالتزامه بموجب المادة 5/2 بتسجيل الحالة الطبية والسيرة المرضية الشخصية والعائلية قبل الشروع في التشخيص والعلاج. هذا الالتزام ليس إجرائياً شكلياً بل جوهري، لأن المادة 1/10 عرّفت الخطأ الطبي بأنه يشمل “الامتناع عن إجراء طبي واجب”، وعدم توثيق الملف أو تحديثه بانتظام قد يُكيَّف في حد ذاته كصورة من صور الإخلال بهذا الواجب، بصرف النظر عن سلامة الإجراء الطبي الفعلي المُقدَّم.
هل يملك المريض حقاً قانونياً صريحاً في الحصول على نسخة من ملفه الطبي، أم أن الملف مِلك حصري للمنشأة؟
الملف الطبي مادياً هو مِلك للمنشأة كأداة عمل وتوثيق مهني، لكن هذا لا ينفي حق المريض في الاطلاع عليه والحصول على نسخة منه أو من التقارير الواردة فيه، وهذا الحق يستند لعدة روافد قانونية مجتمعة: الحق الدستوري في الصحة والمعلومات المتعلقة بها (المادة 18 من الدستور المصري)، والحق في التبصير الكامل بالحالة الصحية كشرط لصحة الموافقة المستنيرة نفسها (المادة 5/5 من القانون 13/2025)، إضافة لاعتبار البيانات الصحية “بيانات شخصية حساسة” يحق لصاحبها الاطلاع عليها بموجب قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020. ومن الناحية العملية، فإن رفض تسليم نسخة من الملف أو التقرير الطبي عند الطلب يُعد إخلالاً بواجب مهني موثق، وقد استقرت المواثيق الأخلاقية الطبية على وجوب احترام حق المريض في الحصول على المعلومات الواردة في ملفه وتوفير التقرير الطبي عند طلبه.
ما هي الآلية الإجرائية القانونية لإجبار المستشفى على تسليم الملف الطبي إذا رفض ذلك ودياً؟
الأداة الإجرائية الأقوى هي طلب “إلزام الخصم بتقديم ما تحت يده من مستندات” المنصوص عليه في قواعد الإثبات، حيث يجوز للمريض (أو محاميه) التقدم للمحكمة المختصة (أو حتى قبل رفع الدعوى الأصلية عبر دعوى مستعجلة أو طلب إثبات حالة) بطلب إلزام المنشأة بتقديم الملف الطبي كاملاً كونه مستنداً منتجاً في الإثبات وتحت يد الخصم. بالتوازي، وفي ظل القانون الجديد، فإن تقديم شكوى للجنة الفرعية للمسئولية الطبية يمنح اللجنة سلطة صريحة بموجب المادة 14 لـ”بحث أي مستندات تقدم من جانبهم”، وهي سلطة تحقيقية تشمل ضمناً حق الاطلاع على الملف الطبي الكامل لدى المنشأة كجزء من إجراءات الفحص، بما يجعل مسار الشكوى الإدارية أداة ضغط إضافية موازية للمسار القضائي المباشر.
ماذا لو ادّعت المنشأة “فقدان” الملف الطبي أو تعمدت إتلافه بعد وقوع الواقعة؟
هذا سيناريو شديد الخطورة على المنشأة قانونياً وليس على المريض، لأن القضاء المصري استقر على مبدأ راسخ في نظرية الإثبات مفاده أن امتناع الخصم عن تقديم مستند تحت يده دون مبرر مقبول يُنشئ “قرينة قضائية” لصالح الطرف الآخر، بحيث يجوز للمحكمة استخلاص أن الملف المفقود أو المُتلَف كان يحوي ما يُدين المنشأة أو يثبت الخطأ المدَّعى به، خاصة إذا اقترن الفقدان بتوقيت مريب (كأن يحدث الادعاء بالفقدان عقب تلقي المنشأة إنذاراً رسمياً أو علمها بنية المريض التقاضي). فضلاً عن ذلك، فإن الإخلال بالالتزام القانوني بالتوثيق (م5/6) قائم بذاته كخطأ طبي مستقل بصرف النظر عن نتيجة الواقعة الأصلية، وقد يرتقي التعمد في الإتلاف بقصد طمس أدلة جريمة إلى مساءلة جنائية إضافية وفق القواعد العامة في قانون العقوبات المتعلقة بإخفاء أو إتلاف أدلة جريمة إذا توافرت أركانها.
هل يختلف الوضع القانوني إذا كان طالب الملف هو ورثة مريض متوفى وليس المريض نفسه؟
نعم، ويُلاحظ هنا انسجام تشريعي مفيد: المادة 12 من القانون 13/2025 التي تنظم حق تقديم الشكوى بشأن الأخطاء الطبية منحت هذا الحق صراحة لـ”متلقي الخدمة أو وكيله الخاص أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية حال وفاته أو غيابه عن الوعي”، وهذا التوسيع في نطاق الأشخاص المخوَّلين بالتحرك القانوني ينسحب منطقياً على الحق في طلب الاطلاع على الملف الطبي والحصول على نسخة منه كأداة تمهيدية لأي مسار قانوني لاحق (شكوى أو دعوى)، دون حاجة لانتظار صدور حكم بإثبات الوراثة أولاً في الحالات العاجلة، وإن كان تقديم إعلام الوراثة يبقى مطلوباً لاحقاً عند رفع الدعوى الأصلية أو المطالبة بالتعويض.
النموذج الأول – رفض تسليم تقرير العملية الجراحية عقب وفاة مفاجئة
الصورة المتكررة: أسرة متوفى تتقدم للمستشفى بطلب الحصول على تقرير العملية وسجل التخدير، فتُماطل الإدارة بحجج شكلية (كضرورة إعلام الوراثة أولاً رغم عدم وجود نص يشترط ذلك لمجرد الاطلاع). هنا يكون التصرف العملي الأنسب هو توجيه إنذار رسمي على يد محضر يطلب التسليم خلال مدة محددة، بحيث يتحول رفض الاستجابة لهذا الإنذار إلى دليل موثق بتاريخ ثابت يدعم لاحقاً طلب استخلاص القرينة القضائية أمام المحكمة أو اللجنة الفرعية.
النموذج الثاني – تسليم ملف “منقوص” أو مُعدَّل بعد الواقعة
نمط أكثر دقة من الرفض الصريح: تسليم المنشأة نسخة من الملف تبدو مكتملة ظاهرياً، لكن يتضح لاحقاً (عبر مقارنتها بمستندات أخرى كتقارير معملية خارجية أو شهادات ممرضين) وجود صفحات ناقصة أو تسجيلات مُضافة بتاريخ لاحق للواقعة. في هذا النموذج، يصبح الطعن الفني منصباً على “سلامة الملف” ذاته كدليل قبل حتى مناقشة الخطأ الطبي، ويستلزم غالباً الاستعانة بخبير مستندات أو طلب ندب خبير لفحص السجل الإلكتروني للملف (إن كان رقمياً) لتحديد تواريخ الإدخال والتعديل الفعلية.
النموذج الثالث – استخدام آلية اللجنة الفرعية كوسيلة ضغط عملية أسرع من القضاء
نظراً لأن اللجنة الفرعية ملزمة بإصدار تقريرها خلال 30 يوماً قابلة للتمديد فقط (م14)، يميل بعض المحامين لتقديم الشكوى للجنة كخطوة أولى حتى في الحالات التي يُخطط فيها للتقاضي المباشر لاحقاً، تحديداً لأن سلطة اللجنة في طلب المستندات من المنشأة (بصفتها جهة تحقيق فني رسمية معتمدة قانوناً) قد تحقق تعاوناً أسرع من المنشأة مقارنة بمواجهتها مباشرة عبر إنذار محامٍ خاص، خاصة أن امتناع المنشأة عن التعاون مع اللجنة العليا نفسها يوثَّق رسمياً في التقرير المعتمد ويصبح دليلاً إضافياً قوياً في أي مسار قضائي لاحق.