حجية البريد الإلكتروني والرسائل الرقمية كدليل إثبات في المحاكم المصريه

هل للبريد الإلكتروني نفس حجية المحرر الورقي الموقّع أمام القضاء المصري؟

الأساس هو قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004، الذي ساوى بموجب المادة (8) بين الكتابة الإلكترونية والمحررات الإلكترونية من جهة، والمحررات الرسمية والعرفية الورقية من جهة أخرى، من حيث الحجية في الإثبات، بشرط استيفاء الشروط المنصوص عليها في القانون وفقاً للضوابط الفنية والتقنية التي تحددها لائحته التنفيذية. أضاف إلى ذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 إطاراً تكميلياً يساوي بين المحررات الورقية والإلكترونية من حيث القيمة القانونية وحجية الإثبات. فالبريد الإلكتروني إذن ليس دليلاً “استثنائياً”، بل هو محرر إلكتروني له حجية المحرر الورقي متى استوفى شروطه الفنية.

ما الشروط الواجب توافرها في البريد الإلكتروني ليُقبل كدليل إثبات أمام المحكمة؟

استقر الفقه والقضاء على ثلاثة شروط جوهرية وردت بالمادة 18 من قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني يتعين توافرها معاً

  • التأكد من هوية المرسِل ونسبة الرسالة إليه دون غيره.
  • التأكد من سلامة محتوى الرسالة وعدم التلاعب به أو تحريف التوقيع الإلكتروني المرتبط بها.
  • إمكانية تحديد تاريخ ووقت الإنشاء أو الإرسال بشكل فني موثوق. وتهدف هذه الشروط إلى التأكد من هوية المرسل، ونسبة الرسالة إليه، وعدم التلاعب بمحتواها، فإذا توافرت أصبحت الرسالة الإلكترونية مقبولة كدليل كامل في الإثبات أسوة بالمستند الورقي الموقّع

من الناحية العملية، ولأن البريد الإلكتروني لا يمكن تقديمه أمام المحاكم إلا في هيئة أوراق مطبوعة تطابق ما هو مخزّن على الخادم الإلكتروني، يُنصح دائماً بحفظ نسخة رقمية أصلية (Header/Metadata) لا مجرد لقطة شاشة.

ماذا لو جحد الخصم (أنكر) الرسالة الإلكترونية المقدَّمة ضده؟

هنا يظهر الفارق الجوهري بين المحرر الإلكتروني والصورة الضوئية العادية. فبينما لا حجية لصورة الورقة العرفية إذا جُحدت ولم يقبلها الخصم، فإن المحرر الإلكتروني — إذا استوفى الشروط الفنية سالفة الذكر — يصعب دحضه بمجرد الجحد المرسل؛ إذ لا يملك مرسِل رسالة البريد الإلكتروني أن يقدّم “الأصل” بالمعنى التقليدي، لأن مستخرجات الأجهزة الإلكترونية ليست إلا نسخاً مطبوعة. لذلك يلجأ القضاء عند الجحد إلى ندب خبير فني (عادة من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات) لعمل تفريغ فني موثّق للحساب أو الجهاز، للتحقق من جهة الإرسال والاستلام وعدم التدخل البشري في المحتوى. والقاعدة المستقرة أن الرسالة المستوفية للشروط لا سبيل للنيل منها إلا بسلوك طريق الادعاء بالتزوير، لا بالجحد المجرد.

هل تسري ذات الأحكام على واتساب وفيسبوك ماسنجر، أم يقتصر الأمر على البريد الإلكتروني الرسمي؟

القاعدة عامة ولا تقتصر على البريد الإلكتروني. فقد كرّست محكمة النقض صراحة مبدأ خضوع رسائل الهاتف المحمول ومنصات التواصل لذات الضوابط، إذ وضعت شروطاً للأخذ برسائل الهاتف والواتساب والفيسبوك كدليل للإثبات، مقررةً أن حجية الرسائل والمحررات الإلكترونية مشروطة بتحديد تاريخ ووقت الرسائل وبتوافر الإتاحة الفنية للتأكد من مصدرها. والمعيار الحاكم في كل الأحوال ليس نوع التطبيق المستخدم، بل مدى استيفاء الرسالة للشروط الفنية الثلاثة (الهوية، السلامة، التوقيت) بصرف النظر عن كونها بريداً إلكترونياً أو محادثة عبر تطبيق مراسلة.

هل يختلف حكم الإثبات بين المواد المدنية/التجارية والمواد الجنائية؟

نعم، هناك فارق جوهري في المنهج وإن اتفقت النتيجة عملياً على قبول هذا الدليل

  • في المواد المدنية والتجارية: يتقيّد القاضي بقواعد الإثبات الموضوعية الواردة في قانون الإثبات وقانون التوقيع الإلكتروني، وهي قواعد يجوز الاتفاق على مخالفتها لأنها ليست من النظام العام، إذ يجوز للأطراف الاتفاق صراحة أو ضمناً على اعتبار رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بينهم، حتى غير الموقعة، دليل إثبات.
  • Lusailnews
  • في المواد الجنائية: القاضي الجنائي حر في تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه، وليس في القانون ما يُجبر المحاكم الجنائية على التقيد بأحكام الإثبات المدني والتجاري، لأنها أصلاً حرة في انتهاج السبيل الموصل لاقتناعها دون طريق خاص رسمه المشرّع للقاضي الجنائي في تحري الأدلة. أي أن الرسالة الرقمية قد تُقبل كقرينة تعزز اقتناع المحكمة، دون التقيد الحرفي بالشروط الفنية المدنية، وإن كان الأخذ بها فنياً يقتضي التحقق ذاته عملي

الطعن رقم 17051 لسنة 87 ق — الدوائر التجارية، جلسة 28/3/2019

وضعت فيه محكمة النقض شروطاً للأخذ برسائل الهاتف والواتساب والفيسبوك كدليل إثبات، مقررةً أن حجيتها مشروطة بتحديد تاريخ ووقت الرسائل وبتوافر الإتاحة الفنية للتحقق من مصدرها. وفي ذات الحكم قررت المحكمة أيضاً أنه لا حجية ولا قيمة لصورة الورقة العرفية في الإثبات ما لم يقبلها الخصم المتمسك بها صراحة أو ضمناً — وهو ما يبرز التمييز بين “صورة ورقية عادية” و”محرر إلكتروني مستوفٍ للضوابط الفنية”.

الطعن رقم 17689 لسنة 89 ق — الدوائر التجارية، جلسة 10/3/2020

أقرت فيه المحكمة حجية رسائل البريد الإلكتروني في إثبات علاقة تعاقدية/تجارية، ومنعت الاكتفاء بمجرد الجحد لصرف نظر المحكمة عن التعويل عليها كدليل تستند إليه في حكمها.

الطعن رقم 3441 لسنة 91 ق — جنائي، جلسة 7/3/2022

رفضت فيه المحكمة الدفع بجحد صور الرسائل محل الاتهام، مقررةً أن أحكام الإثبات الواردة في المواد المدنية والتجارية لا تُلزم القاضي الجنائي، الذي يبقى حراً في انتهاج السبيل الموصل لاقتناعه دون طريق خاص رسمه له المشرّع في تحري الأدلة.