الحجية القانونية للتوقيع الإلكتروني أمام المحاكم المصرية

ما هو النص القانوني الذي يمنح التوقيع الإلكتروني ذات حجية التوقيع اليدوي التقليدي، وما هو الشرط الجوهري فى مصر؟

نظّم القانون رقم 15 لسنة 2004 بشأن التوقيع الإلكتروني هذه المسألة بنص صريح في المادة 14، إذ قررت أن للتوقيع الإلكتروني في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية ذات الحجية المقررة للتوقيعات في أحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية. لكن هذه المساواة في الحجية ليست مطلقة أو تلقائية لمجرد وجود توقيع إلكتروني من أي نوع، بل معلّقة على شرط جوهري: أن يُراعى في إنشائه وإتمامه الشروط والضوابط الفنية والتقنية التي تحددها اللائحة التنفيذية للقانون، وهو ما يعني عملياً أن التوقيع الإلكتروني “البسيط” (كتوقيع ممسوح ضوئياً أو مجرد اسم مطبوع في نهاية بريد إلكتروني) لا يتمتع تلقائياً بذات القوة الثبوتية للتوقيع المُعتمد الصادر عبر جهة تصديق مرخصة، ويبقى خاضعاً للسلطة التقديرية للقاضي في تقدير قوته الثبوتية كقرينة عادية لا كدليل كامل.

ما هي الضوابط الفنية الدقيقة التي يجب توافرها في المحرر الإلكتروني حتى يُعامَل بذات حجية المحرر الرسمي أو العرفي الورقي بالنظام القانونى المصرى؟

حددت المادة 15 من القانون، والمادة 8 من لائحته التنفيذية، هذه الضوابط بدقة: أن يكون متاحاً فنياً تحديد وقت وتاريخ إنشاء الكتابة الإلكترونية أو المحررات الإلكترونية الرسمية أو العرفية، وأن تتم هذه الإتاحة من خلال نظام حفظ إلكتروني مُستقل وغير خاضع لسيطرة مُنشيء هذه الكتابة أو تلك المحررات، أو لسيطرة المعني بها. هذا الشرط الأخير تحديداً – استقلالية نظام الحفظ عن سيطرة أي من طرفي التعامل – هو نقطة الفصل العملية الحاسمة في كثير من المنازعات؛ فمحرر إلكتروني (كعقد أو موافقة) محفوظ فقط على جهاز أحد الطرفين أو بريده الإلكتروني الشخصي يظل عرضة للطعن بسهولة نسبية بدعوى إمكانية التلاعب به، بينما المحرر المحفوظ عبر منصة أو نظام مستقل (كخدمات التوثيق الإلكتروني المعتمدة أو حتى بعض المنصات السحابية ذات سجل التعديلات الموثق) يكتسب قوة ثبوتية أعلى بكثير أمام القضاء.

هل تتساوى قوة الصورة المطبوعة على الورق من محرر إلكتروني مع أصل المحرر الإلكتروني نفسه أمام القضاء؟

الأصل أن الصورة الورقية المطبوعة من محرر إلكتروني رسمي لا تحل محل الأصل الإلكتروني بل تُستمد حجيتها منه؛ فقد نصت المادة 16 من القانون صراحة على أن الصورة المنسوخة على الورق من المحرر الالكتروني الرسمي حجة على الكافة بالقدر الذي تكون فيها مطابقة لأصل هذا المحرر، وذلك مادام المحرر الالكتروني الرسمي والتوقيع الالكتروني موجودين على الدعامة الالكترونية. هذا يعني عملياً نقطتين مهمتين للمتقاضي: الأولى أن مجرد تقديم نسخة ورقية مطبوعة (كإيميل أو محادثة واتساب مطبوعة) دون القدرة على إثبات مطابقتها للأصل الإلكتروني المحفوظ يُضعف حجيتها بشدة أمام أي طعن جدي من الخصم؛ والثانية أن الحفاظ على الأصل الإلكتروني ذاته (لا الاكتفاء بطباعته والتخلص من النسخة الرقمية) هو الضمانة الحقيقية لبقاء الحجية القانونية للمستند قائمة عند أي نزاع مستقبلي.

هل يُعتد أمام المحاكم المصرية بشهادات التصديق الإلكتروني الصادرة عن جهات أجنبية (كما في العقود التجارية الدولية أو عقود العمل عن بُعد)؟

نعم، فقد نصت المادة 22 من القانون على أن الهيئة (هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات – “إيتيدا”) تختص باعتماد الجهات الأجنبية المختصة بإصدار شهادات التصديق الإلكتروني، وأنه في هذه الحالة تكون الشهادات التي تصدرها تلك الجهات ذات الحجية في الإثبات المقررة لما تصدره نظيراتها في الداخل من شهادات نظيرة، وفقاً للقواعد والضمانات التي تحددها اللائحة التنفيذية. الأهمية العملية لهذا النص – خصوصاً لمكتب يتعامل مع عقود خدمات قانونية ومعاملات عابرة للحدود مع عملاء خليجيين – أنها تفتح الباب أمام الاعتراف بتوقيعات إلكترونية صادرة من منصات توثيق أجنبية معتمدة (كتلك المستخدمة في السعودية أو الإمارات لعقود الشركات) أمام القضاء المصري، لكن بشرط أساسي هو حصول الجهة الأجنبية المُصدرة على اعتماد مسبق من الهيئة المصرية، وليس بمجرد كونها معتمدة في دولتها الأصلية فقط.

ما هي العقوبات الجنائية المقررة على العبث بالتوقيع الإلكتروني أو انتحال صفة جهة تصديق دون ترخيص؟

حرص المشرع على حماية منظومة التوقيع الإلكتروني بأحكام عقابية رادعة نظراً لخطورة العبث بها على الثقة في المعاملات الإلكترونية ككل، إذ يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه (أو بإحدى هاتين العقوبتين) كل من أصدر شهادة تصديق إلكتروني دون الحصول على ترخيص بمزاولة النشاط من الهيئة، وكذلك كل من أتلف أو عيّب توقيعاً أو وسيطاً أو محرراً إلكترونياً. هذا التجريم مهم عملياً في قضايا الخطأ الطبي والملفات الطبية الإلكترونية التي ناقشناها سابقاً: فالتلاعب بمحرر أو توقيع إلكتروني ضمن الملف الطبي الرقمي (كتعديل موعد التوقيع على نموذج الموافقة المستنيرة الإلكترونية بأثر رجعي) قد يشكل جريمة مستقلة بموجب هذا القانون، تُضاف لأي مساءلة أخرى ناشئة عن قانون المسئولية الطبية أو قانون العقوبات العام.

النموذج الأول – نزاع تجاري حول عقد وُقِّع إلكترونياً عبر منصة توقيع معتمدة

الصورة الأكثر أماناً قانونياً: طرفان يوقعان عقداً تجارياً عبر منصة توقيع إلكتروني حاصلة على ترخيص من “إيتيدا”، حيث يحفظ النظام تلقائياً بصمة زمنية دقيقة وسجل تدقيق (Audit Trail) مستقل عن سيطرة أي من الطرفين. في هذا النموذج، تكون حجية العقد أمام القضاء قوية جداً وقريبة من حجية العقد الموقّع يدوياً وموثّق رسمياً، ونادراً ما ينجح الطعن عليه إلا بإثبات اختراق تقني فعلي للنظام ذاته، وهو عبء إثبات ثقيل يقع على الطاعن.

النموذج الثاني – نزاع حول تراسل عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات المحادثة كدليل إثبات لاتفاق تجاري غير موقّع رسمياً

نمط شائع جداً عملياً: شركتان تتفقان على شروط تعاقدية عبر تبادل رسائل بريد إلكتروني دون توقيع عقد رسمي منفصل، ثم ينشأ نزاع حول الالتزام بهذه الشروط. هنا لا تنطبق أحكام المادتين 14، 15 بكامل قوتها (لأن البريد الإلكتروني العادي لا يستوفي عادة شرط “نظام الحفظ المستقل عن سيطرة الطرفين”)، فتتراجع قوة هذا الدليل من “محرر له حجية الكتابة الرسمية” إلى مجرد “قرينة تخضع للسلطة التقديرية للقاضي” ضمن باقي أدلة الدعوى، ما يستدعي من المحامي دعم هذا الدليل بقرائن مساندة أخرى (كتنفيذ فعلي جزئي للاتفاق، أو شهادة شهود، أو مراسلات لاحقة تؤكد مضمونه) بدلاً من الاعتماد عليه منفرداً.

النموذج الثالث – طعن بالإنكار على توقيع إلكتروني بسيط (كتوقيع بالإصبع على شاشة جهاز لوحي) دون منصة توثيق معتمدة

صورة متكررة في عقود الخدمات اليومية (كتوقيع استلام بضاعة أو موافقة على خدمة عبر تطبيق جوال دون بنية تحتية توثيقية معتمدة). عند إنكار أحد الطرفين لهذا التوقيع، يواجه مُقدّم الدليل صعوبة حقيقية لأن التوقيع لا يستوفي الضوابط الفنية الكاملة المنصوص عليها في اللائحة التنفيذية، وقد يضطر لإثبات صحته بطرق الإثبات التكميلية (كخبرة فنية على النظام المُستخدم لإثبات عدم إمكانية التلاعب في هذه الحالة تحديداً، أو شهادة الشهود الحاضرين وقت التوقيع)، وهو مسار أطول وأقل يقيناً من الاعتماد ابتداءً على منصة توقيع مرخصة.

الدرس العملي الأهم الذي يستخلص من هذا الإطار التشريعي هو وجود درجات متفاوتة من “التوقيع الإلكتروني” وليس مفهوماً واحداً موحد القوة: فالتوقيع الصادر عبر جهة تصديق مرخصة من “إيتيدا” مع نظام حفظ مستقل يتمتع بحجية شبه كاملة تعادل المحرر الرسمي أو العرفي التقليدي، بينما التوقيعات والمراسلات الإلكترونية “غير الموثقة” (كالإيميلات العادية والتطبيقات الشخصية) تبقى مجرد قرائن خاضعة لتقدير القاضي. وهذا يستوجب من أي محامٍ يُقدَّم لعملائه استشارة حول التعاقد الإلكتروني – خصوصاً في المعاملات التجارية أو تلك التي تنطوي على قيمة مالية كبيرة أو طرفاً أجنبياً – أن ينصح صراحة باستخدام منصات توقيع مرخصة رسمياً بدلاً من الاكتفاء بالوسائل غير الموثقة، توفيراً لمعركة إثبات مرهقة عند نشوء أي نزاع مستقبلي.